أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

150

العقد الفريد

ثم حمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، نحن المهاجرون ، أول الناس إسلاما ، وأكرمهم أحسابا ، وأوسطهم دارا ، وأحسنهم وجوها ، وأكثر الناس ولادة في العرب ، وأمسّهم رحما برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ أسلمنا قبلكم ، وقدّمنا في القرآن عليكم ، فقال تبارك وتعالى : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ « 1 » ؛ فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار ، إخواننا في الدين ، وشركاؤنا في الفيء ، وأنصارنا على العدوّ ؛ آويتم وواسيتم ، فجزاكم اللّه خيرا ، فنحن الأمراء ، وأنتم الوزراء ، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش ، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما منحهم اللّه من فضله . وخطب أيضا . حمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إني قد ولّيت عليكم ولست بخيركم ، فإن رأيتموني على حقّ فأعينوني ، وإن رأيتموني على باطل فسدّدوني ؛ أطيعوني ما أطعت اللّه فيكم ، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم . ألا إنّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له ، وأضعفكم عندي القويّ حتى آخذ الحق منه ! أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم . وخطب أخرى . فلما حمد اللّه بما هو أهله ، وصلى على نبيه عليه الصلاة والسلام ، قال : إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك ! فرفع الناس رؤوسهم ، فقال : ما لكم أيها الناس ؟ إنكم لطعانون عجلون ، إن من الملوك من إذا ملك زهّده اللّه فيما بيده ، ورغّبه فيما بيد غيره ، وانتقصه شطر أجله ، وأشرب قلبه الإشفاق ، فهو يحسد على القليل ، ويسخط على الكثير ، ويسأم الرخاء وتنقطع عنده لذة البهاء ، لا

--> ( 1 ) سورة التوبة الآية 100 .